الشيخ محمد النهاوندي
312
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
هو في الفروع والأحكام العمليّة لا في أصول الدّين ؛ لأنّه لا بدّ فيها من القطع واليقين ، ولا يفيد الظّنّ والتّخمين كما قال تعالى : إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً « 1 » . في إبطال القول بامتناع النسخ في الأحكام فإن قيل : هذا مبنيّ على إمكان النّسخ ، واليهود قائلون بامتناعه لأنّه يؤول إلى البداء ، وهو محال على اللّه . قلنا : أوّلا : ليس في الحقيقة والواقع نسخ في الأحكام والشّرائع بل الشّرع السّابق مقيّد بقاؤه بعدم بعث النّبيّ الّلاحق المبشّر به ، فإذا بعث انقضت مدّته مع أنّه منقوض بنسخ شرع إبراهيم عليه السّلام بشرع موسى عليه السّلام ، مضافا إلى أنّ من البديهي اختلاف مصالح الأحكام باختلاف الأشخاص والقرون والأزمان ، فقد يكون لحكم مصلحة في زمان ، أو لطائفة دون زمان آخر وطائفة أخرى . نعم ، إذا أخبر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ببقاء أحكامه واستمرارها إلى يوم القيامة ، كما أخبر نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله بذلك ، كشف عن جامعيّة أحكامه لمصالح عموم البشر إلى يوم القيامة بخلاف ما إذا لم يخبر بأبديّة دينه ، بل كان بيانه مطلقا ، فإنّه يحتمل وقوع التّغيير والنّسخ وإن ظنّ من جهة الإطلاق عموم حكمه للأزمنة المتأخّرة ، وحينئذ فإذا دلّ دليل معتبر على النّسخ كشف عن خطأ العرف في فهم الاستمرار ، ودلّ على كونه مغيّى . وأمّا ما نقله اليهود من قول موسى عليه السّلام : تمسّكوا بالسّبت أبدا فغير ثابت ، مع أنّه يمكن أن يراد منه دوامه ما دام بقاء شريعته ، فيرجع إلى الإخبار بأنّ السّبت لا يتغيّر ولا ينسخ ما دام بقاء دينه ، مع أنّه معارض بإخباره في عدّة مواضع من التّوراة بمجيئ نبيّ آخر بعده . فقول اليهود بأنّ الحقّ منحصر في اليهوديّة ، وقول النّصارى بمثل ذلك ، ودعوى كلّ طائفة منهم أنّه لا يدخل الجنّة غيرهم ، بقول بلا برهان ، بل البرهان على خلافه ، حيث قال اللّه تعالى : بَلى يدخل الجنّة غيرهم بل هم لا يفوزون بها . ثمّ كأنّ قائلا يقول : فمن يدخل الجنّة ؟ فقال : مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ وبذل نفسه لِلَّهِ بالانقياد والخضوع والتذلّل في طاعته ، والتجنّب عن اللّجاج والعناد والمعاصي خالصا للّه بلا شوب شرك وهوى وَهُوَ مُحْسِنٌ لا يكون خضوعه بالأعمال القبيحة ، كما نقل عن بعض المرتاضين في الهند
--> ( 1 ) . يونس : 10 / 36 .